الشيخ الطبرسي
435
تفسير جوامع الجامع
( فَفِرُّواْ إلَى اللهِ ) أي : طاعَةِ اللهِ وثَوابِهِ من معصيته وعقَابِهِ بتَوحيدِهِ وإخْلاصِ العبادةِ لَهُ . وكَرَّرَ قَولَهُ : ( إِنِّى لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) عنْدَ الأَمْرِ بالطَّاعةِ والنَّهْي عن الشِّرْكِ ، ليُعْلَمَ أنَّ العِلْمَ والعَمَلَ مقْتَرنانِ ، وبالجَمْعِ بينَهُما يفُوزُ الإِنْسانُ . ( كَذلِكَ ) أي : الأَمْرُ مثْلُ ذلكَ ، و " ذلك " إشَارَةٌ إلى تَكذيبِهِم الرَّسُولَ وقَوْلِهِم : هو ( سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) ، وقَولُهُ : ( مَآ أَتَى ) تَفْسِيرٌ لِمَا أَجْمَل . ( أَتَوَاصَوْاْ بِهِ ) الضَّميرُ للقَوْلِ ، والمعنى : أَتَواصَى الأوَّلُونَ والآخرُونَ بهذا القَوْلِ حتَّى قَالُوهُ جَميعاً متَّفِقينَ عليهِ ( بَلْ هُمْ قَومٌ طَاغُونَ ) أي : لَمْ يَتَواصَوْا بِهِ لأنَّهم لَمْ يَتَلاَقَوا في زَمَان واحد ( بَلْ ) جَمَعَتْهُم العلَّةُ الواحِدَةُ وهي الطُّغيان حَمَلَهُم عليهِ . ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) فأَعْرِضْ عَمَّنْ دَعَوتَهُم فلَمْ يُجِيبُوا ، فَلاَ لَوْمَ في إعْراضِكَ عَنْهُم بَعْدَما بَلَّغْتَ الرِّسالةَ وبَذَلْتَ وسْعَكَ في الدَّعْوةِ والإِبْلاغِ . ( وَذَكِّرْ ) ولا تَدَعِ التَّذْكيرَ والمَوعِظَةَ ( فَإنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) الَّذينَ يَعْرفُونَ اللهَ ويوحِّدُونَهُ . وعَنْ عليٍّ ( عليه السلام ) أنَّه لمَّا نَزَلَ : ( فَتَولَّ عَنْهُمْ ) اشتَدَّ ذلكَ عَلَينا ، فَلَمَّا نَزَلَ : ( وَذَكِّرْ ) طَابَتْ نُفُوسُنا ( 1 ) . المعنى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإْنْسَ إِلاَّ ) لأَجْلِ العبَادَةِ ، ولَمْ أَرِدْ من جَميعِهِم إلاَّ إيَّاها ، والغَرَضُ في خَلْقِهِم تَعريضُهُم للثَّوابِ ، وذلك لا يَحْصَلُ إلاَّ بأَدَاءِ العبَادَاتِ . ( مَآ أُرِيدُ مِنْهُمْ مِّنْ رِّزْق وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطِعمُونِ ) أي : لا أَسْتَعينُ بِهِم في تَحْصيلِ أَرْزَاقِهِم ومَعَايشِهِم بَلْ أَتَفَضَّلُ عليهِم برِزْقِهِم وبمَا يُصْلِحُهُم ، وما أُريدُ أن يُطْعِمُوا أَحَداً من خَلْقي ، وإِنَّما أَسْنَدَ إلى نَفْسِهِ لأنَّ الخَلقَ كلَّهُم عِيَالُهُ ، ومَنْ أَطْعَمَ
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدّر المنثور : ج 7 ص 624 وعزاه إلى ابن راهويه وأحمد بن منيع والهيثم بن كليب وابن جرير وغيرهم .